محمد باقر الملكي الميانجي
62
مناهج البيان في تفسير القرآن
فلا ينطبق تفسير الروح على شيء ممّا ذكروه من الأقوال . فتعيّن ممّا ذكرنا ، أنّ المراد من الرّوح في المقام ، هو العلم المفاض من اللّه - سبحانه - على من يشاء من عباده المقرّبين ؛ الأنبياء ، أو الأوصياء الصّدّيقين . فبه تعرف النبوة والرّسالة والإمامة والخلافة . وبه يتمّ ويستكمل أمر الرسالة والبلاغ والإنذار . قوله تعالى : « لِيُنْذِرَ » في مرحلة التعليل لقوله : « يُلْقِي الرُّوحَ » . والمراد من « يوم التّلاق » يوم القيامة . أي : يوم برز الخلائق من قبورهم . والموقف النهائيّ في هذا اليوم موقف الحساب والعرض الأكبر على اللّه ؛ يلقون ربّهم لمحاسبة أعمالهم . الآية التاسعة قال تعالى : « يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ » . ( النحل / 2 ) بيان : قد أثنى اللّه تعالى على نفسه ومجّده باعطائه أجلّ نعمة من نعمائه على أشرف عبد من عباده ، وهو تنزيله تعالى الملائكة والرّوح عليه تفضّلا على خلقه ، ليدعوهم إلى الإقرار بوحدانيّته والإيمان بالآخرة وشرائعه الحكيمة القيّمة . والظاهر أنّ الباء في قوله تعالى : « بِالرُّوحِ » بمعنى المصاحبة ، وليس منزلة الباء في الآية الكريمة بمنزلة الباء في قوله تعالى : « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ » . ( الشعراء / 193 و 194 ) . فإنّ الباء في تلك الآية للتّعدية - أي : أنزله الروح الأمين على قلبك بأمر اللّه - بخلاف الآية المبحوثة . فإنّ كلّ واحد من الملائكة والرّوح منزّل من اللّه - سبحانه - في عرض سويّ ، ومستقلّان في حدّ نفسهما وبعناية خاصّة لكلّ واحد منهما .